
عماد هادي الخفاجي
ليس من السهل أن تكون فنانا في العراق، لان الأمر لا يتعلق فقط بالموهبة أو الشغف بل بمعركة يومية يخوضها الفنان ليبقى صامدا في وجه واقع يفرض عليه خيارات قاسية، في بلد يعاني قطاعه الفني من تهميش طويل، يصبح التمثيل بالنسبة للكثيرين ليس مجرد مهنة بل صراعا من أجل البقاء. وهنا نجد الفنان العراقي واقعا بين مطرقة الحاجة وسندان الإبداع، بين الرغبة في تقديم فن حقيقي والخضوع لشروط الإنتاج التي كثيرا ما تأتي على حساب النزاهة الفنية.
في كثير من الأحيان يُنتقد الفنان العراقي على أعمال قد لا يكون راضيا عنها تماما، لكنه يجد نفسه مضطرا للمشاركة فيها. ليس لأنه لا يدرك قيمتها الفنية بل لأنه لا يملك رفاهية الرفض، لان المنتجون هم من يحدد مسار الدراما وغالبا ما يبحثون عن المشاريع السهلة والمربحة، حتى لو كانت نسخا مشوهة من أعمال أخرى، وحين يجد الفنان نفسه أمام خيارين إما أن يقبل بالدور المتاح أو يُستبدل بمن هو أكثر استعدادا للمساومة، يصبح واضحا لماذا لا يملك القوة لرفض ما يُعرض عليه.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في الفنان، بل في الجهات الإنتاجية التي تتجاهل الحقوق الأدبية والفكرية لصناع الأعمال الأصلية وتستخف بعقلية المشاهد العراقي معتقدة أنه سيقبل أي محتوى يُقدم له. هذه الجهات تدرك أن الفنان بحاجة إلى العمل وأن الاعتراض قد يعني استبعاده تماما، لذلك تستغل هذا الواقع لتمرير مشاريع تفتقر إلى الأصالة والإبداع، لذلك فالفنان تحت ظل هذه الظروف، يصبح الحلقة الأضعف في معادلة الإنتاج رغم أنه الوجه الذي يتحمل الانتقادات والاتهامات عند عرض العمل.
هذا الانكسار الذي يعيشه الفنان العراقي ليس مجرد حالة فردية، بل هو انعكاس لواقع صناعة فنية تفتقر إلى الدعم الحقيقي. في دول أخرى يجد الفنانون بدائل كالمسارح المستقلة أو الإنتاجات السينمائية المتنوعة لكن في العراق الفرص محدودة والمنظومة لا تمنح الفنان فرصة للاختيار، لذا حين نرى فنانا يقبل بدور قد لا يعكس إمكانياته الحقيقية، علينا أن ندرك أنه يفعل ذلك لأنه يريد أن يعيش، لأن الفن بالنسبة له ليس مجرد حلم بل مصدر رزق ولأنه يدرك جيدا أن البديل عن القبول قد يكون الغياب القسري عن المشهد.
في النهاية يمكننا القول بان الفنان العراقي لا يحتاج إلى المزيد من اللوم أو الانتقاد بل إلى بيئة فنية تحتضنه وإلى مؤسسات إنتاج تحترم حقوق الإبداع وإلى جمهور يدرك أن الفنان ليس المتحكم الوحيد فيما يظهر على الشاشة، وربما يكون الحلم بمشهد فني عراقي أكثر حرية وعدالة بعيدا الآن، لكن يبقى الأمل بأن يأتي يوم لا يُجبر فيه الفنان على الانكسار كي يستمر بل يجد نفسه قادرا على اختيار ما يليق به وبموهبته دون أن يخشى أن يُقال له شكرا لك، هناك من يمكن ان يحل مكانك.