
عماد هادي الخفاجي
في عالم الدراما التلفزيونية، يواجه الفنانون الشباب معركة معقدة لا تقتصر على إثبات موهبتهم، بل تمتد إلى صراع يومي من أجل انتزاع حقوقهم المالية والمهنية، وتحت ظل بيئة إنتاجية غالبا ما تستغل حماسهم وطموحهم، يجد هؤلاء الفنانون أنفسهم مضطرين للقبول بأجور زهيدة لا تتناسب مع الجهد المبذول، فضلا عن التعامل غير اللائق داخل مواقع التصوير، وكأنهم مجرد أدوات تُستخدم وتُهمش دون أي تقدير حقيقي لموهبتهم، فمنذ اللحظة الأولى لدخولهم هذا المجال، يصطدم الفنانون الشباب بواقع صادم، فهم مطالبون بالقبول بأجور لا تكاد تسد احتياجاتهم الأساسية، تحت ذريعة قلة الخبرة، وكأن الموهبة لا قيمة لها إن لم تكن مدعومة بتاريخ طويل من الأعمال، أما شركات الإنتاج والمخرجون يبررون هذه السياسة بضغوط الميزانية أو بالمخاطرة التي يتحملونها عند منح فرصة للوجوه الجديدة، لكن المشكلة تكمن في أن هذه العقلية لا تتغير حتى بعد أن يثبت الفنان جدارته، ليظل عالقا في دوامة الاستغلال التي لا تعترف بإنجازاته أو تطوره، ولا يقف الأمر عند الأجور المتدنية بل يتجاوز ذلك إلى أسلوب التعامل الذي يكرس التهميش ويجرد الفنان الشاب من أي شعور بالاحترام أو التقدير، ففي مواقع التصوير يُجبر الكثير منهم على العمل لساعات طويلة دون أي ضمانات قانونية أو راحة وكأن وجودهم في العمل امتياز بحد ذاته وليس حقا مستحقا، وفي الوقت الذي يُسلط فيه الضوء على النجوم الكبار في الحملات الترويجية والمهرجانات، يُترك الشباب في الظل، رغم أنهم جزء أساسي من نجاح أي عمل درامي. هذه المعاملة لا تؤثر فقط على حالتهم النفسية، بل تمتد إلى مستقبلهم المهني، حيث يصبح من الصعب عليهم لاحقا فرض شروط عادلة أو المطالبة بحقوقهم دون الخوف من الإقصاء أو التهميش.
على مدار السنوات الأخيرة، بدأ بعض الفنانين الشباب في كسر حاجز الصمت، مستخدمين منصات التواصل الاجتماعي والإعلام للحديث عن الظلم الذي يتعرضون له، شهاداتهم كشفت جانبا مظلما من صناعة الدراما، حيث يتم استغلال المواهب الشابة بأسوأ الطرق، وأحيانا يتم إقصاؤهم بالكامل لمجرد مطالبتهم بتحسين أجورهم أو لرفضهم بيئة العمل غير العادلة، وان هذه الشهادات أثارت موجات من التعاطف والغضب، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن مشكلة أعمق، تتعلق بعقلية الإنتاج التي لا تزال ترى الفنان الشاب كعنصر ثانوي يمكن استبداله بسهولة وليس كقيمة فنية تستحق الاحترام والإنصاف، وما يزيد الأمر تعقيدا هو دخول بعض الأفراد إلى المجال الفني دون امتلاكهم للموهبة أو التدريب الكافي، بل فقط بقبولهم العمل بأجور زهيدة أو حتى بدفع المال للمخرجين وشركات الإنتاج مقابل الظهور على الشاشة، هؤلاء لا يمثلون فقط عبئا على جودة الإنتاج الفني، بل يؤثرون سلبا على الفرص الحقيقية للفنانين الشباب الموهوبين، حيث يجد المنتجون والمخرجون فيهم وسيلة لتخفيض التكاليف، متجاهلين أصحاب الموهبة الحقيقية الذين يستحقون هذه الفرص، وأن هذه الظاهرة لا تؤدي فقط إلى انخفاض المستوى الفني للأعمال الدرامية، بل تُكرس ثقافة الاستسهال والاستغلال داخل الصناعة.
وارى، وكما يرى الكثير من الاكاديميين، ان إصلاح هذا الواقع المرير لا يقتصر فقط على تحسين الأجور، بل يتطلب تغييرا جذريا في طريقة التعامل مع الفنانين الشباب داخل المنظومة الإنتاجية، وانه لا بد من وضع معايير واضحة تحمي حقوقهم المهنية، وذلك من خلال تفعيل دور النقابات الفنية التي تفرض حدا أدنى للأجور، وتجبر شركات الإنتاج على احترام العقود وظروف العمل، كما أن للإعلام دورا أساسيا في تسليط الضوء على هذه القضية، ليس فقط عبر تناولها في البرامج الحوارية والتقارير الصحفية، بل من خلال تعزيز وعي الجمهور بأهمية دعم المواهب الشابة والمطالبة ببيئة عمل أكثر عدالة، وإن الاستمرار في تجاهل هذه المشكلة لا يضر بالفنانين الشباب فقط، بل يؤثر سلبا على الصناعة ككل، حيث يؤدي إلى بيئة غير صحية تُهدر فيها الطاقات الإبداعية، وتتحول الدراما إلى مجرد تجارة لا تعترف بالقيمة الفنية الحقيقية.