بقلم: امجد هيف
تمرّ على الأمم لحظاتٌ فارقة لا يقتصر أثرها على زمنها بل تمتد لتكون معياراً يُقاس به وعي الشعوب ومواقفها عبر العصور ومن بين تلك اللحظات الخالدة تبرز واقعة الطف لا بوصفها معركةً عسكريةً فحسب بل ثورةً إصلاحيةً أراد امامنا الحسين من خلالها أن يوقظ الضمير الإنساني ويعيد للأمة بوصلتها نحو الحق والعدل والكرامة. غير أنّ المأساة لم تكن في قوة الباطل بقدر ما كانت في تراجع أهل الحق حتى اختُزل مشهد الأمة بكلماتٍ خالدة نطق بها الفرزدق أمام الحسين بعبارة لم تصف واقعاً عابراً في سنة إحدى وستين للهجرة بل كشفت عن مرضٍ يصيب الأمم حين تعرف الحق وتتردد في نصرته وتؤمن بالمبدأ لكنها تخشى التضحية من أجله.
ففي طريقه إلى كربلاء التقى الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) بالشاعر الفرزدق فسأله عن حال الناس خلفه، فجاءه الجواب الذي اختصر مأساة التاريخ كلّه: «قلوب الناس معك وأسيافهم عليك». كلمات قليلة لكنها رسمت صورة أمة تعرف الحق ولا تنصره وتدرك العدل لكنها تتردد في الوقوف إلى جانبه.
لم تكن واقعة الطف معركةً على سلطة أو نزاعاً على ملك بل كانت ثورة أخلاقية وإنسانية أراد بها الحسين (عليه السلام) أن يعيد للأمة روحها التي كادت تضيع تحت وطأة الاستبداد والفساد والانحراف. خرج ليقول إن الإنسان لا يُقاس بما يملك بل بما يحمل من قيم وإن السكوت على الظلم مشاركة فيه وإن الكرامة أغلى من الحياة حين تُسلب الحرية ويُهان الحق.
غير أن الأمة يومها وقفت موقف المتفرج كثيرون أحبوا الحسين لكنهم لم يسيروا معه بكوا عليه بعد استشهاده لكنهم لم يدافعوا عنه قبل شهادته وهكذا تحولت عبارة الفرزدق إلى وصف متجدد لكل زمان: قلوب تميل إلى الحق لكن الأقدام تتراجع عند الامتحان.
واليوم وبعد قرون طويلة يحق لنا أن نسأل أنفسنا: هل تجاوزنا تلك المحنة أم ما زلنا نعيشها بأشكال مختلفة؟ كم من حق نعرفه ولا ننصره؟ وكم من ظلم نشاهده ونكتفي بإدانته بالكلمات؟ وكم من قيم حسينية نرفع شعاراتها بينما تغيب عن سلوكنا ومواقفنا؟
إن ثورة الحسين (عليه السلام) لم تكن حدثاً تاريخياً يُستذكر في موسم الحزن فحسب بل مشروع إصلاح دائم يدعو إلى مواجهة الفساد ونصرة المظلوم وإحياء الضمير وإقامة العدل ورفض الخضوع للطغيان مهما كانت التضحيات فالحسين لم يطلب من الناس البكاء عليه بقدر ما طلب منهم أن يكونوا أحراراً في دنياهم وقد أدرك الفرزدق هذه الحقيقة عندما رأى خذلان الأمة لسبط نبيها فقال محذراً:
فإن أنتم لم تثأروا لابنِ خيرِكم فألقوا السلاحَ واغزلوا بالمغازلِ
فالأمة التي تعجز عن نصرة الحق تفقد أسباب عزتها والأمة التي تتخلى عن مبادئها لا تنتظر إلا الذل والانكسار وما أحوجنا اليوم إلى أن نقرأ كربلاء قراءة وعيٍ ومسؤولية لا قراءة عاطفة فقط فدم الحسين لم يُرق ليُبكى عليه وحسب بل ليوقظ الضمائر ويصنع أمةً لا تساوم على الحق ولا تنحني للباطل.
فمعرفة الثورة الحسينية واجب على كل صاحب مبدأ يريد ان ينتفض ضد أي ظلم مسمى وقراءتها قراءة واقعية وان يفتش بين السطور كي يميز بين الحق ونصرته وبين الافكار المنحرفة بكل اشكالها التي لابد ان تواجه بشكل فعلي فلليوم مرت على مجتمعنا فصول من الصراعات المريرة خلال تاريخه على خلفيات عدة تنوعت بين استعمارية وفكرية وعقدية طائفية ذات غايات استئصالية إضافة الى غيرها من الصراعات.
غير أن بالإمكان القول أن أخطر تلك الصراعات يتمثل بما يرتبط بخلفية فكرية عقائدية وتأتي خطورة هذا الصراع عن غيره من جهة تلون الأهداف والآليات بين المعلن والخفي منها حيث تصطبغ بها فصول الصراع بحسب مشهد التمويه والخديعة الذي يسعى لتسريب فكرة هدامة مدمرة للمجتمع بغلاف راق و جذاب.
فمعركة الطف هي حرب فكرية عقائدية قبل ان تكون عسكرية فلنكن ممن ينصر الحسين عليه السلام ويدحض كل اعداء الدين ممن جاءوا يقتلون كل من يسير على نهج الحسين عليه السلام لإجل ان ينشروا منهجهم الهدام القاتل للإنسانية حيث تراهم قد استعملوا الدين غطاءا وتشريعا لمنهجهم كما فعل يزيد واتباعه في واقعة الطف فضرب القلم اشد من ضرب السيف
ويبقى السؤال الذي يطرحه التاريخ في كل جيل هل سنكون مع الحسين موقفاً ومنهجاً أم سنكرر جواب الفرزدق مرة أخرى: قلوبنا معك وأسيافنا عليك؟

