الأهوار تعود إلى الحياة .. شباب ميسان يمهدون طريق السياحة في هور الحويزة

0
7

أمجد هيف

في جنوب العراق حيث ينحني الماء على ضفاف القصب وتولد الحكايات من صمت المسطحات المائية تعود أهوار ميسان لتكتب فصلا جديدا من الحياة لا بوصفها أرضا غمرتها المياه بعد عطش طويل بل باعتبارها ذاكرة استعادت نبضها بعد أن كادت تتلاشى هنا لا تبدو العودة مجرد مشهد طبيعي بل تحولا إنسانيا يعيد صياغة العلاقة بين المكان وسكانه ويمنح الأمل معنى ملموسا يمكن رؤيته في حركة زورق أو في رفرفة طائر عاد إلى موطنه وفي صورة تجمع السماء بالماء لتكون واقعا يسر الناظر وتعيد للعين دهشتها الأولى.

في هور الحويزة حيث تتداخل الحدود الإدارية بين محافظة ميسان ومحافظة البصرة ويتجه الامتداد الطبيعي نحو الشرق باتجاه الأراضي الإيرانية يتشكل مشهد مختلف لا يشبه ما سبقه من سنوات الجفاف هذا الهور الذي يمثل واحدا من أكبر وأهم المسطحات المائية في البلاد لم يعد مجرد مساحة جغرافية بل صار ميدانا لفعل شبابي يعيد تعريف الانتماء للمكان.

بعيدا عن الخطابات الرسمية يقف عدد قليل من الشباب في قلب هذا المشهد يقودهم الناشط البيئي أحمد صالح نعمة الذي اختار أن يبدأ من الممكن لا من المؤجل ستة متطوعين فقط لكنهم يتحركون بعزيمة تتجاوز عددهم أطلقوا حملة لتنظيف الممرات المائية وإزالة القصب والبردي المتراكم الذي أغلق الطرق الطبيعية للمياه وحولها إلى مسارات ضيقة غير صالحة للملاحة.

العمل هنا لا يقتصر على إزالة نباتات متشابكة بل هو في جوهره إعادة فتح شرايين الحياة في الهور فكل ممر مائي يتم تنظيفه يعني عودة زورق وإمكانية وصول صياد وفتح نافذة لزائر يبحث عن تجربة مختلفة في قلب الطبيعة الجنوبية القاسية والخلابة في آن واحد ومع أن الظروف صعبة والإمكانات شبه معدومة إلا أن الفريق استطاع إنجاز ما يقارب ستين بالمئة من المهمة وهو إنجاز لا يقاس بالأرقام بقدر ما يقاس بصدق الجهد المبذول فيه.

الأهوار التي تعد جزءا من التراث العالمي المسجل لدى منظمة اليونسكو ليست مجرد بيئة طبيعية عابرة بل تمثل واحدة من أقدم البيئات التي احتضنت الإنسان وشكلت نمط عيشه وثقافته عبر آلاف السنين لذلك فإن استعادتها اليوم تتجاوز فكرة السياحة إلى كونها استعادة لهوية حضارية مهددة بالتآكل، خلال السنوات الماضية تعرضت هذه المناطق إلى تراجع حاد في مناسيب المياه نتيجة عوامل متعددة أبرزها التغيرات المناخية وقلة الإطلاقات المائية الأمر الذي أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من الحيوانات وهجرة الطيور وتوقف أنشطة اقتصادية كاملة كانت تعتمد على الهور بشكل مباشر انعكست هذه التغيرات بشكل قاس على حياة السكان المحليين الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استقرارهم ومعيشتهم.

اليوم ومع عودة المياه تدريجيا يعود الأمل ليظهر من جديد لا عبر مشاريع كبرى بل من خلال مبادرات صغيرة لكنها صادقة ما يجري في هور الحويزة يمثل نموذجا واضحا لهذا التحول حيث يحاول الشباب استثمار لحظة التعافي لإعادة تهيئة المكان واستقباله للزوار من جديد وفتح المجال أمام حركة سياحية يمكن أن تنعش الاقتصاد المحلي وتعيد الحياة إلى تفاصيل يومية كادت أن تختفي، ورغم أهمية هذه المبادرات إلا أنها تطرح سؤالا ملحا حول دور المؤسسات المعنية فهل يكفي أن يترك هذا الإرث الإنساني لجهود فردية محدودة أم أن الوقت قد حان لوضع خطة وطنية شاملة تعيد للأهوار مكانتها بوصفها مورداً بيئياً وسياحياً واقتصادياً.

في المشهد الأخير وبينما تبدأ الزوارق بالتحرك في ممرات أعيد فتحها حديثا يبدو الهور وكأنه يستعيد صوته القديم هدير الماء وصوت المشاحيف حيث صوت الحياة حين تعود وهنا يثبت شباب ميسان أن التغيير لا يحتاج دائما إلى إمكانات ضخمة بل إلى إرادة صادقة تؤمن بأن المكان يستحق أن يعيش، وهكذا تبقى الأهوار شاهدا على قدرة العراق على النهوض من داخله وعلى أن هذه البقعة ما زالت تملك ما يكفي من الجمال والقوة لتكون وجهة تستحق أن يلتفت إليها العالم من جديد.

 

مشاهدة المزيد

شاهد ايضاً

بنك الأردن – العراق يعلن إعادة ترتيب إداري لتعزيز عملياته في السوق المحلية

بغداد – وكالة الإعلام الدولية أعلن بنك الأردن – العراق عن إجراء تحديثات إدارية جديدة…