من منصة التتويج في باريس إلى ذهب آسيا في ناغويا.. بطلة عراقية تحافظ على مكانتها العالمية، وتكشف أن طريق الذهب لا يخلو من التحديات.
بقلم: أحمد الكعبي – صحفي رياضي
لا يُقاس الإنجاز دائماً بوزن الميدالية، ولا تختصر منصة التتويج كل ما يسبق لحظة الوقوف عليها، ففي اللحظة التي يرتفع فيها العلم العراقي ويُعزف النشيد الوطني، تنتهي المباراة، لكن حكاية البطلة لا تنتهي؛ إذ تبدأ خلف ذلك المشهد رحلة طويلة من التدريب والتضحيات والتحديات التي لا تظهر أمام عدسات الكاميرات.
بالنسبة إلى نجلاء عماد، بطلة العراق في تنس الطاولة البارالمبي، لا يبدو الذهب مجرد نتيجة رياضية، بل غاية تضعها أمامها كلما دخلت المنافسة، ورسالة تحملها معها إلى المحافل الدولية.
تقول نجلاء: “إحساس لا يوصف من يرتفع علم العراق وينعزف النشيد الوطني بمحافل عالمية كبيرة، هذا شعور ما أقدر أشرحه بكلمات؛ لأن بذيك اللحظة ما أفكر بغير إنه علم بلدنا يكون حاضر بكل بطولة”.
لم تكن هذه الكلمات مجرد تعبير عاطفي عن لحظة تتويج، بل تلخص مسيرة لاعبة اعتادت أن تضع العراق في مقدمة أهدافها، وأن تتعامل مع كل بطولة باعتبارها فرصة جديدة لإثبات قدرتها على المنافسة في أعلى المستويات.
من باريس إلى منصات الذهب
في السابع من سبتمبر 2024، كتبت نجلاء عماد صفحة تاريخية للرياضة العراقية، بعدما أحرزت الميدالية الذهبية في منافسات تنس الطاولة ضمن دورة الألعاب البارالمبية باريس 2024، لتصبح أول امرأة عراقية تحرز ذهبية بارالمبية، وتمنح العراق إنجازاً غير مسبوق في هذه اللعبة.
لكن الذهب الأولمبي لم يكن نهاية الطموح. فقد واصلت نجلاء طريقها نحو منصات التتويج، وأكدت أن الحفاظ على القمة قد يكون أصعب من الوصول إليها.
خلال عام 2026، أضافت البطلة العراقية ثلاث ذهبيات دولية إلى سجلها في بطولات فنلندا وفرنسا واليابان، في سلسلة من النتائج التي عكست استمرارية حضورها التنافسي.
في فنلندا، شاركت في بطولة ITTF World Para Future Lahti التي أقيمت بين 28 و30 أغسطس، وحققت ذهبية منافسات الفردي للسيدات في الفئة السادسة.
وبعدها انتقلت إلى فرنسا للمشاركة في بطولة ITTF World Para Elite Yvelines، التي أقيمت بين 12 و16 سبتمبر. وهناك واجهت منافسات من مستويات دولية قوية، وتمكنت من بلوغ النهائي والتغلب على المصنفة الأولى عالمياً من روسيا، بعد مباراة صعبة عادت فيها إلى أجواء المنافسة عقب تأخرها في النتيجة، لتحسم اللقب وتضيف ذهبية جديدة إلى رصيدها.
وعن تلك المواجهة، تقول نجلاء: “رغم التأخر بالبداية، لكن بفضل تركيزي وتوجيهات مدربي الكابتن حيدر قدرت أرجع للعب وأحسم المباراة وأحقق الميدالية الذهب”.
وتضيف أن طريق الذهب لم يكن سهلاً، موضحة أنها تغلبت على لاعبات من بريطانيا والسويد وفرنسا، وأنها حققت فوزها السابع على اللاعبة الفرنسية في الدور نصف النهائي بنتيجة ثلاثة أشواط دون مقابل.
أما المحطة الآسيوية، فجاءت في اليابان، ضمن دورة الألعاب البارالمبية الآسيوية آيتشي–ناغويا 2026. وهناك نجحت نجلاء في الدفاع عن لقبها القاري، بعدما تغلبت في المباراة النهائية على الصينية ليو شياو وو بنتيجة 3–1، محرزة ذهبية الفردي للسيدات في الفئة السادسة.
وتقول نجلاء عن هذا الإنجاز: “الحمد لله أستطعت أن أحافظ على هذا اللقب للمرة الثانية”.
وتضيف أن المباراة النهائية كانت صعبة، وأنها واجهت لاعبة صينية مصنفة ثالثة عالمياً، لكنها تمكنت من حسم المواجهة، بعدما خسرت شوطاً واحداً فقط طوال مشوارها في المنافسات.
ثلاث ذهبيات دولية في أقل من شهرين، بعد ذهبية باريس، لم تكن مجرد أرقام تضاف إلى سجل البطلة، بل تأكيداً على قدرتها على مواصلة المنافسة، وعلى أن نجاحها لم يكن لحظة عابرة ارتبطت بدورة أولمبية واحدة.
خلف الذهب.. طريق يومي من ديالى إلى بغداد
وراء كل ميدالية ساعات من العمل لا تظهر في الصور، وخلف كل انتصار تفاصيل يومية قد لا يعرفها الجمهور.
تتحدث نجلاء عن جانب من هذه الرحلة بوضوح: “هذا الشي ما يجي بسهولة، بل بتعب وتدريب يومي أتنقل بيه من ديالى لبغداد”.
إنها تفاصيل تكشف جانباً من كلفة الاستمرار في المنافسة؛ فالوصول إلى البطولات الدولية لا يبدأ عند السفر إلى بلد الاستضافة، بل من الالتزام بالتدريب والاستعداد وتحمل مشقة الطريق، يوماً بعد آخر.
وتؤكد نجلاء أن طموحها لا يتغير من بطولة إلى أخرى: “أني بأي بطولة أشارك بيها طموحي هو الذهب فقط وما أفكر بغيره”.
لكن البطلة التي اعتادت أن تتحدث بلغة الانتصارات، لم تتردد في الحديث عن احتياجاتها والصعوبات التي تواجهها خارج طاولة المنافسة، ففي حديثها، وجهت مناشدة إلى رئيس الوزراء بضرورة زيادة الاهتمام بالرياضة البارالمبية والرياضيين الذين يمثلون العراق في المحافل الدولية، مؤكدة حاجتها إلى دعم معنوي ومادي يساعدها على مواصلة مسيرتها.
وكانت من أبرز النقاط التي أثارتها حاجتها إلى أطراف صناعية رياضية حديثة، موضحة أن الأطراف التي تستخدمها مضى عليها سنتان أو ثلاث سنوات، وأنها تحتاج إلى استبدالها بأخرى أكثر تطوراً، بما يساعدها على اللعب والتحرك بصورة أفضل، وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف عندها، لاعبة تقف على قمة المنافسة الدولية، وتحرز الذهب أمام أفضل اللاعبات، لكنها ما زالت تتحدث عن احتياجات أساسية تتصل بتجهيزاتها الرياضية وقدرتها على مواصلة الأداء بالمستوى الذي يليق بإنجازاتها.
كما طالبت نجلاء القنوات الفضائية بمرافقة المنتخب في البطولات ونقل مبارياته، حتى تصل إنجازات الرياضيين البارالمبيين إلى الجمهور العراقي والعالم، ولا تبقى لحظات التتويج وحدها هي ما يعرفه المشاهد عنهم.
حيدر سليم.. ما وراء النتيجة
لا تنفصل إنجازات نجلاء عن الدور الفني الذي يقدمه مدربها الكابتن حيدر سليم، الذي كان حاضراً في محطات إعدادها ومنافساتها، وأسهم في التحضير الفني والذهني للمواجهات الدولية.
وفي حديثه عقب إنجاز اليابان، أكد سليم أن الفريق دخل البطولة بعد استعداد كامل ودراسة للمنافسات، قائلاً: “احنا أصلاً يعني الحمد لله متحضرين لهذه البطولة تحضير كامل، ودارسين اللاعبة الصينية وكل اللاعبات”.
وأضاف أن نجلاء قدمت أداءً قوياً طوال المنافسات، موضحاً أنها فازت في مبارياتها بثلاثة أشواط دون مقابل، باستثناء المباراة النهائية التي خسرت فيها شوطاً واحداً.
ولم يكن حديث المدرب مقتصراً على النتيجة، بل امتد إلى الهدف الذي يحمله المنتخب في كل مشاركة: “احنا بكل البطولات اللي جايين نشارك بيها ونرفع اسم العراق ونرفع علم العراق ونحقق الذهبية”.
وفي بطولة فرنسا أيضاً، نسبت نجلاء جانباً من قدرتها على العودة في المباراة النهائية إلى تركيزها وتوجيهات مدربها، في إشارة إلى أهمية العلاقة الفنية بين اللاعب والمدرب في المواجهات التي تحسمها التفاصيل الصغيرة.
الاتحاد.. مسؤولية الحفاظ على الإنجاز
من زاوية أخرى، ينظر رئيس اتحاد تنس الطاولة البارالمبي، الكابتن لؤي السراي، إلى إنجاز نجلاء باعتباره مسؤولية تتجاوز الاحتفال بالميدالية.
فالحفاظ على الذهب، بحسب حديثه، كان جزءاً من خطة الاتحاد، إلى جانب السعي لإضافة ميدالية عراقية أخرى من خلال اللاعب منتظر فاروق.
ويقول السراي: “حاولنا وضمن خططنا بأن نحافظ على هاي الميدالية ونزيد لها ميدالية البطل منتظر فاروق”.
ويشير إلى حجم الضغط الذي رافق المهمة، قائلاً: “حقيقة تعرف الإعلام وتعرف الاتحاد مضغوط واللاعبة ومدربها البطل حيدر سليم، حافظنا على ذهبية نجلاء عماد وزدناها ميدالية”.
أما عند سؤاله عن وصف نجلاء بأنها أفضل لاعبة في تاريخ العراق، فقد ربط السراي مكانتها بإنجازها البارالمبي، معتبراً أن الذهب الأولمبي يمثل المعيار الأبرز في تقييم مسيرة الأبطال.
ويؤكد أن طموح الاتحاد لا يتوقف عند إنجازات نجلاء الحالية، بل يتجه إلى إعدادها وزملائها للاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها دورة الألعاب البارالمبية لوس أنجلوس 2028.
الذهب مسؤولية.. والطريق مستمر
حين تتحدث نجلاء عماد عن الذهب، فإنها لا تتحدث عن ميدالية تنتهي قيمتها عند مراسم التتويج، بل عن مسؤولية تتجدد مع كل مشاركة، وعن رغبة في أن يبقى اسم العراق حاضراً على منصات المنافسة.
ومن باريس إلى فنلندا وفرنسا واليابان، تتشكل مسيرة بطلة لم تكتفِ بإنجاز تاريخي، بل واصلت الدفاع عن مكانتها، فيما تكشف كلماتها عن تحديات تحتاج إلى اهتمام لا يقل عن الاهتمام بالنتائج.
لقد أثبتت نجلاء أنها قادرة على الوصول إلى القمة والمحافظة عليها، لكن استمرار هذه الرحلة لا ينبغي أن يكون مسؤوليتها وحدها؛ فالإنجاز الفردي الكبير يحتاج إلى منظومة توفر للاعب أدوات النجاح، من التجهيزات الرياضية الحديثة إلى الدعم الفني والإعلامي والمؤسسي.
وعندما يرتفع العلم العراقي في المحافل الدولية، لا يكون ذلك انتصاراً للاعبة وحدها، بل لحظة تمثل بلداً بأكمله.
أما عند سؤاله عن وصف نجلاء بأنها أفضل لاعبة في تاريخ العراق، فقد ربط السراي مكانتها بإنجازها البارالمبي، معتبراً أن الذهب الأولمبي يمثل المعيار الأبرز في تقييم مسيرة الأبطال، ويؤكد أن طموح الاتحاد لا يتوقف عند إنجازات نجلاء الحالية، بل يتجه إلى إعدادها وزملائها للاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها دورة الألعاب البارالمبية لوس أنجلوس 2028.







